أبو ريحان البيروني
79
القانون المسعودي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وبه نستعين [ مقدمة المؤلف ] المسعود من سعد باللّه عزّ وجلّ وتفرّد بتأييده إيّاه عن الأشكال والأشباه ، فلا واضع لمن رفع ، ولا واحد لما منع ، وأنّى كان يبلغ ملك الإسلام مشارق الأرض المعمورة ومغاربها ، ويتناهى خبره إلى أباعدها بعد أقاربها لولا إظهاره تعالى : العزّة لرسوله وللمؤمنين بعد أن وجده يتيما فآواه ، وعائلا فأغناه ، حتّى شرح صدره ، ورفع له ذكره ، وأظهر به دينه ، وأعلى كلمته وأمره ، ثم خلّف بعده نوره الذي لا ينطفئ بالأفواه ، ولا يبطل بتكذيب الألسن والشفاه ، وأودعه أولياءه للتبصير والهداية ، والاحتجاج بمكانه على ذوي الغواية ، يظاهرون به خلفاء الأمّة وينتصرون بأيده ممن نابذ واعتصم بذمته كالملك الأجلّ السيّد المعظم ناصر دين اللّه وظهير خليفة اللّه ، وحافظ عباد اللّه ، المنتقم من أعداء اللّه ، أبي سعيد مسعود بن يمين الدولة وأمين الملّة محمود فإنّ مصداق ما تقدم فيه إذا تأمّل متأمّل منه رجوع الحقّ إلى أهله بعد أن خفي فأظهره اللّه ، وخذل فنصره اللّه ، ورفض فأعلى له شأنه ، وآتاه ملكه وسلطانه وقد كان مقصودا من كل جانب ، مجموعا له كل سارّ وسارب يقولون أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ، فأجيبوا من الآية بما بعده ، وحقّق اللّه تعالى فيه وعده ، بأن حباه الإرث عفوا ، كما أتى سليمان إرث داود عليهما السلام صفوا ، ولولا الاصطفاء الإلهي لما نزعت القلوب قاطبة إليه ، ولما قصرت الهمم بأسرها عليه ، حتّى استعجلت نحوه الأرواح ، لتتفيأ بأفيائه ، وسبقت الأجساد أظلالها إلى عالي فنائه ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وحكمه في أمّ الكتاب مسطورا ، ولو لم يخصّني منه نعمة تعقّب الفخر ، وتوجب إدمان الشكر ، فإنّ المنعم وإنّ استغنى عن شكر صنائعه ، وصان عن شوائب المنّ والأذى صوافي عوارفه ومنائحه ، فالعقل السليم يخطر على حامليها إضاعتها ويلزمهم قضيّة نشرها دائما وإذاعتها لقد عمّني قبلها ما عمّ كافّة الممالك من شيوع الخير والفضل ، فيوض الأمن والعدل ، حتى لزمتني الخدمة بخاصّها ، كما لزمتني الطاعة بعامّها ، فكيف وقد مكّنني في صبابة عمري من الانبساط لخدمة العلم إذ حلّاني وعناني وأسبل عليّ في ظلّه الظّليل ستر الأمنة ومطر بهواطل النّعمة وشفع ذلك بتقريب وإيناس متتابع وترحيب سارت به الركبان ، وشرّف بتوقيعاته فيه